إيران ترسخ معادلة “هرمز” وترامب يشحذ تغريداته
الجوف نت / تقارير
تقرير | وديع العبسي
في محاولة يائسة، حاول مجرم الحرب “نتنياهو” السير بعيداً عن مسار الرسائل المتبادلة بين طهران وواشنطن لإنهاء الوضع القائم عقب حرب دامية أثبتت خلالها الجمهورية الإسلامية قدرتها بأن تكون نداً قوياً وعصياً على الانكسار. في هذا الوقت، زعم “نتنياهو” أن كيانه بات أقوى من أي وقت مضى.
ويرى البعض أن حديث “نتنياهو” يعكس حالة إحباط عميقة نتيجة ما عمّقته قوة الجمهورية الإسلامية من هوة بينه وبين حلمه المزعوم بإعادة صياغة المنطقة وفق المخطط الصهيوني الكبير.
وما تضمنته النقاط الـ “14” التي قدمتها الجمهورية الإسلامية تظهر الثقة ووضع شروط المقتدر، بعكس ما حاول العدو تصويره؛ فإيران التي وضعت مقترحها على ثلاث مراحل أكدت —إذا كانت هناك رغبة لدى الأعداء في السلام— أنه لابد من وقف شامل لإطلاق النار وصولاً إلى إنهاء الحرب خلال 30 يوماً كحد أقصى، ويشمل ذلك كافة جبهات المنطقة بمن فيها لبنان، مع التعهد بعدم الاعتداء مجددا وتشكيل مرجعية دولية لضمان عدم العودة للحرب.
كما تبدأ إيران بفتح تدريجي لمضيق هرمز وتولي مسألة نزع الألغام وإدارة المضيق، بالتزامن مع سحب القوات الأمريكية من محيط إيران ورفع الحصار عن موانئها.
المقترح الإيراني يتمسك أيضاً بحق طهران في البرنامج النووي السلمي وتخصيب اليورانيوم؛ حيث يؤكد رفض أية محاولات لتفكيك البنى التحتية النووية أو تدمير المنشآت، مع إمكانية ترقيق اليورانيوم عالي التخصيب، ويؤكد على الإفراج عن الأموال المجمدة.
في هذا الوقت أيضاً، طلب المرشد الإيراني السيد مجتبى خامنئي عدم بحث الملف النووي خلال المفاوضات، حسب عضو لجنة الأمن القومي بمجلس الشورى الإيراني مجتبى زارعي، نقلاً عن رئيس فريق التفاوض محمد باقر قاليباف. وحسب زارعي، أوضح قاليباف أنه بموجب “إذن قائد الثورة” مُنع “حضور رئيس منظمة الطاقة الذرية للجمهورية الإسلامية في تشكيلة فريق التفاوض”. أمريكا كعادتها في الاستعاضة عن الحقائق بالأوهام، تداولت -الاثنين- الحديث عن دخول الموضوع النووي في المفاوضات، وهو ما نفته طهران مباشرة.
وفي الشواهد أيضاً على رسوخ قناعة إيران بقدرتها على تثبيت المعادلة، وبأن طرحها المقترحات إنما مرجعه رفع صوت السلام، فإنها لم تنتظر للتعليق على محاولة ترامب التغريد في الوقت الضائع بتلميحات لإمكانية العودة إلى الحرب؛ فطرحت أمام الرئيس الأمريكي المخدوع خيارين لا ثالث لهما: تقبُّل الاتفاق ولو على مضض، أو تجرع ويلات حرب خاسرة.
أن تبدو إيران بهذا الثبات على الموقف والقناعة بأن العدو ليس في الوضعية التي تمكنه من وضع الشروط أو المناورة، فإن في هذه النغمة ما ينسف وهم الـ “نتنياهو” الذي يحاول الحفاظ على ما تبقى له ولكيانه عموماً من ثقة لدى قطعان الغاصبين للأراضي الفلسطينية.
في هذا السياق، أكد الحرس الثوري الإيراني أن “هامش المناورة المتاح أمام الولايات المتحدة في صنع القرار تقلّص”، وقال إن على ترامب أن “يختار بين عملية مستحيلة أو صفقة سيئة مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية”. وزاد على ذلك المستشار العسكري للمرشد الأعلى، القائد العام السابق للحرس الثوري محسن رضائي، بالتأكيد على أن “الولايات المتحدة هي القرصان الوحيد في العالم الذي يملك حاملات طائرات”. وقال إن “قدرتنا على مواجهة القراصنة لا تقل عن قدرتنا على إغراق السفن الحربية”. وأضاف: “استعدوا لرؤية حاملات طائراتكم وقواتكم تنتهي في المقبرة”.
السلوك الترامبي يوم الاثنين -حسب مراقبين- كانت له دلالات عميقة؛ فترامب الذي ما لبث أن قدم ردوده على نقاط طهران الـ 14 اتجه للقيام بمحاولة عبثية في مضيق هرمز انتهت بفشل موجع؛ فادّعى القيام بما سماه عملية “إنسانية” لإخراج السفن العالقة. وإذا كان في هذا الفعل سعي واضح لتحريك الوضع الجامد للمضيق، خصوصاً وأن محاولته الضغط على إيران من خلال فرض حصار على موانئها قد مُني بالفشل الذريع اضطر معه ترامب للتراجع سريعا، فإنه أيضاً حاول كبح جماح ارتفاع أسعار الطاقة من جهة، ومن جهة أخرى محاولة إقناع الداخل والحلفاء في الخارج أن بلاده لا تزال صاحبة الكلمة الأخيرة في أي مكان من العالم بما فيه مضيق هرمز؛ وعلى ذلك ادعى ترامب فعلاً —كما فعل وزير الخزانة الأمريكي— بأن المضيق تحت سيطرة قوات بلاده، وأن سفناً عبرت -بالفعل- المضيق، لكن النبرة الأمريكية لم تدم طويلا حتى سارع ترامب لسحب مشروعه في هرمز متعذرا بالطلب الباكستاني للتهدئة.
طهران مجدداً صفعت أمريكا وموظفي البيت الأبيض، ليس بنفي الادعاءات الأمريكية وحسب، وإنما أيضاً بتحركها العملي لحماية قرارها السيادي على المضيق؛ فعلى عدة مستويات قيادية في طهران، كان التأكيد دائماً بأن التحرك بدون تنسيق مع الجانب الإيراني، أو الخضوع لما وضعه الحرس الثوري من بروتوكول وترتيبات إلزامية لمن يريد العبور عبر المضيق وانتظار الإذن، سيقابل برد قوي وحازم.
الموقف الإيراني تمت ترجمته فعلياً —الاثنين— عندما حرك ترامب مدمراته نحو المضيق فجاءه رد بحرية طهران مباشرة، حيث تم استهدف المدمرة بصاروخين، ما اضطرها للتوقف “عن مواصلة مسيرها والالتفاف والتراجع والفرار من المنطقة”، حسب وكالة فارس. المغامرة الترامبية لم تعمق فقط حالة الانهزام الأمريكي، وإنما ثبّتت القواعد التي وضعتها الجمهورية الإسلامية في ما يتعلق بالمضيق، وأكد رئيس مكتب حماية المصالح الإيرانية مجتبى فردوسي بور: “لن تعود إدارة مضيق هرمز إلى وضعها قبل الحرب”.
فيما أكد متحدث حرس الثورة الإسلامية أن “السفن الملتزمة ببروتوكولات عبور القوات البحرية لحرس الثورة ستتمتع بالأمن والسلامة، وأي تحركات مخالفة ستواجه بالتوقيف بكل حزم”. وأوضح محللون أن واشنطن تلقت بذلك رسالة صريحة بأن: مضيق هرمز لم يعُد ساحة مفتوحة للاستعراض الأمريكي، بل منطقة تخضع بالكامل لحسابات إيران وإرادتها القتالية.
يرى الكثير بأن الأمر -وإن شهد أحياناً بوادر خادعة للسلام- مرشح للتصعيد الأمريكي الإسرائيلي؛ يؤكد ذلك التحشيد ونشاط عملية التذخير والتزود بالسلاح، وهو أمر تعيه الجمهورية الإسلامية جيداً، بل وتزيد طهران عليه بالقناعة بأن الدولة الأمريكية لم تكن يوماً حافظة للعهود، فقد تجاوزت كل المواثيق والقوانين الدولية في سلوكها تجاه العالم وبدرجة أكبر دول المنطقة، وقد أكد ترامب الشهر الماضي أنه غير معني بالقوانين الدولية، وإنما يحكم انطلاقاً من فهمه وقناعاته.
إيران تعي أيضاً أن حالة الغطرسة التي تعيشها أمريكا لن تسمح لها بالقبول بانتصار الخصم، لذلك فالاستهداف سيستمر حتى إذا ما تم الاتفاق على أي شكل من أشكال وقف الحرب. إثر ذلك، تظهر تصريحات القيادات الإيرانية بأنه قد تم فعلياً حصر مفاجآت جديدة ستردع العدو وتفرض عليه بذل الجهد للتكيف مع الوضع الجديد؛ حيث هزيمته لم تعد بالأمر غير المعتاد، وستدفع الـ “نتنياهو” لقياس ما يصرح به وفق حجمه الطبيعي، لا ما تصوره له توهماته.
موقع أنصارالله.