جمعة الكرامة.. حين خان ’’عملاء الخارج’’ أحرار الثورة


في سجلات الخيانة الوطنية، لا تزال “جمعة الكرامة” تتربع على عرش الجرائم التي لم تسقط بالتقادم، ليس لدمويتها فحسب، بل لأنها شكلت نقطة تحول خطيرة كشفت حجم المؤامرة التي حيكت في الغرف المظلمة.. يومها تحولت دماء اليمنيين الأبرياء إلى عملة رخيصة لمقايضة السيادة الوطنية بمكاسب سياسية ضيقة، تحت إشراف وتوجيه أدوات الخارج المرتبطة ’’بالمحور السعودي–الإماراتي–الأمريكي’’.

مسرحية الغدر: هندسة الجريمة

لم يكن الرصاص الذي اخترق أجساد المصلين والمتظاهرين عشوائياً، بل كان “رصاصاً سياسياً” تم هندسته بعناية فائقة داخل دوائر القرار لنظام عفاش.. الهدف لم يكن فقط قمع المحتجين، بل إجهاض أي حراك شعبي يسعى نحو التحرر والسيادة، وتحويل الساحات التي كانت تنبض بالأمل إلى مسالخ بشرية، لتثبيت نظام بدأ يترنح تحت ضغط الشارع.

القناصة والقرار السياسي

القناصة الذين تمركزوا على أسطح المنازل لم يكونوا سوى أدوات تنفيذية في مخطط أكبر، حيث كشفت الوقائع ارتباط بعضهم بقيادات نافذة في النظام.. الجريمة لم تكن فعلاً فردياً، بل قراراً سياسياً بامتياز، هدفه إعادة ضبط المشهد الداخلي بما يخدم بقاء النظام وخدمة أجندات الخارج.

تواطؤ مكشوف.. القاتل والمُهرّب

محاولات تبرير الجريمة بذريعة “تضايق الأهالي من خيام الثوار” لم تكن سوى غطاء مفضوح للتنصل من المسؤولية.. الأخطر من ذلك، أن مسار القضية كشف عن تواطؤ صريح، حيث تم تسليم بعض المتهمين بين جهات أمنية وعسكرية وقضائية، قبل أن يتم الإفراج عنهم دون محاسبة، في مشهد يؤكد أن القاتل ومن سهّل هروبه كانوا يعملون ضمن منظومة واحدة تخدم نفس الأجندة.

من الساحات إلى السفارات

لم تتوقف المؤامرة عند حدود المجزرة، بل امتدت لتشمل الالتفاف على مطالب الشعب وتحويل الحراك الثوري إلى أداة لإعادة إنتاج النظام، مع استمرار الارتهان للخارج وتكريس التبعية السياسية والاقتصادية.

لقد تم الاستثمار في مأساة شهداء جمعة الكرامة بدل تحقيق القصاص لهم، حيث استُخدمت دماؤهم لتعزيز نفوذ جنرالات وتجار حروب ورجال دين مسيسين، هم أنفسهم من فتحوا لاحقاً أبواب اليمن للعدوان المباشر، مؤكدين أن ولاءهم لم يكن للوطن، بل لمن يدفع الثمن بالريال والدولار.. تحولت دماء الشهداء إلى أوراق تفاوض في سفارات واشنطن والرياض، لتصبح إرادة الشعب اليمني رهينة لإملاءات الخارج، ومع فشل الهيمنة السياسية لجأ هؤلاء إلى العدوان المباشر في محاولة لكسر إرادة الشعب وإخضاعه.

أدوات الخارج وتمزيق النسيج

سعت القوى الاستعمارية، عبر أدواتها الإقليمية، إلى تفكيك المجتمع اليمني وإغراقه في صراعات داخلية، لإضعافه ونهب ثرواته والسيطرة على موقعه الاستراتيجي.. وقد شكّلت أحداث جمعة الكرامة إحدى أبرز محطات هذا المخطط الذي استهدف تمزيق وحدة المجتمع وإشغاله عن قضاياه الكبرى.

وعي.. كسر الوصاية

رغم مرور السنوات، تبقى دماء الشهداء شاهدة على حجم الجريمة، ولعنة تلاحق كل من تورط فيها.. واليوم، وبعد سنوات من الصمود، بات الشعب اليمني أكثر وعياً بحجم المؤامرة، وأكثر إدراكاً أن الخلاص لا يأتي عبر وصاية الخارج، بل من خلال التمسك بالسيادة ورفض التبعية.

لقد تحولت تلك الذكرى الأليمة إلى محطة وعي، أكدت أن إرادة الشعوب لا تُقهر، وأن اليمن ماضٍ نحو كسر كل أشكال الهيمنة، واستعادة قراره الحر، مهما كانت التضحيات.