سُنن الله في مواجهة طغاة العصر: قراءة استراتيجية وسردية في مضامين المحاضرة الرمضانية الرابعة للسيد القائد (1447هـ)


تُعد المحاضرات الرمضانية التي يقدمها قائد الثورة السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي (يحفظه الله) ركيزة أساسية في بناء الوعي الجمعي اليمني والإسلامي، فهي تتجاوز المفهوم التقليدي للمواعظ لتتحول إلى “منظومة فكرية وتحررية” شاملة. تنطلق هذه المحاضرات من المعين الصافي للقرآن الكريم، لتقدم قراءة حركية للواقع تربط الأمة بمصادر قوتها الحقيقية وتخرجها من حالة التيه والارتهان للمشاريع الاستكبارية. إن أهمية هذه السلسلة تكمن في قدرة السيد القائد على تطويع النص القرآني وتنزيله على الواقع المعاصر بصورة تجعل من قصص الأنبياء موازين حية لتشخيص الصراع القائم بين جبهة الحق وجبهة الباطل. في هذه المحاضرات، يتم بناء “الإنسان القرآني” الذي يمتلك البصيرة الكافية لرؤية مكايد الأعداء، والروحية العالية التي تجعله يثق بوعد الله أكثر من ثقته بالإمكانات المادية المحدودة، مما يحول الشهر الكريم إلى محطة سنوية لإعادة ترتيب الأولويات الاستراتيجية للأمة وفق الرؤية الإلهية الصائبة.

وفي سياق المحاضرة الرمضانية الرابعة لعام 1447هـ، يضعنا السيد القائد أمام مرحلة مفصلية من قصة نبي الله موسى “عليه السلام”، وهي المرحلة التي تتجلى فيها ذروة الصراع بين “التدبير الإلهي” و”الحذر الفرعوني”. تأتي هذه المحاضرة في ظل ظروف إقليمية ودولية بالغة الحساسية، حيث يواجه الشعب اليمني وأحرار الأمة “فرعونية العصر” المتمثلة في الثلاثي الشيطاني (أمريكا، وإسرائيل، وبريطانيا). إن السيد القائد من خلال هذا الدرس لا يكتفي بسرد وقائع تاريخية، بل يقدم “سردية سياسية وثقافية” متكاملة تفكك آليات الطغيان المعاصر، وتكشف هشاشة المنظومة الاستكبارية أمام نفاذ المشيئة الإلهية. إن المحاضرة تمثل تمهيداً فكرياً ونفسياً لتعزيز حالة الصمود والثبات، وتأصيل مبدأ “الاستعانة بالله” في مواجهة الإمكانات المادية الهائلة التي يتباهى بها جبارو هذا الزمان، مؤكدة أن موازين القوى في المنطق القرآني تخضع لسنن إلهية لا تتبدل، وأن العاقبة الحتمية هي للمستضعفين الصابرين الذين يتحركون بوعي ومسؤولية.

 

سيكولوجية الاستكبار وفشل المنظومة الأمنية لـ “هامان العصر”

ينطلق السيد القائد في تحليله من قوله تعالى: {وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ}، ليضعنا أمام تشريح سياسي واستخباراتي عميق لذهنية الطاغوت. يوضح السيد أن الطغيان، مهما بلغت قوته المادية، يسكنه رعب وجودي دائم من فئة المستضعفين، وهو ما يدفعه لتبني سياسات “الحذر” القائمة على البطش والإجرام الوقائي. في المنظور الفرعوني القديم، كانت سياسة “تذبيح الأبناء” تمثل أقصى درجات الاحتراز الأمني لمنع تحقق النبوءات التي تهدد عروشهم، وهو ما يسقطه السيد القائد ببراعة على واقعنا المعاصر؛ حيث تمثل أمريكا والكيان الصهيوني “فرعونية الزمان” التي تستخدم مراكز الدراسات، وأجهزة الاستخبارات، والمنظومات التكنولوجية (هامان العصر) لرصد أي تحرك تحرري وإجهاضه في مهده عبر الحصار، والقتل، والحروب الاستباقية.

إن السردية السياسية التي يطرحها السيد القائد تؤكد أن هذا “الحذر” هو في حقيقته اعتراف بضعف بنيوي في المنظومة الاستكبارية؛ فالطغاة يخشون الوعي أكثر من خشيتهم للسلاح، ولذلك يمارسون أبشع أنواع الظلم ضد الشعوب التي تنشد الحرية. يشير السيد إلى أن فرعون وجنوده بذلوا كل جهد ممكن لضمان سيطرتهم الدائمة، لكنهم أغفلوا “التدبير الإلهي” الذي يخرج من حيث لا يحتسبون. فالتدبير الإلهي ليس مجرد معجزة غيبية، بل هو “سنة كونية” تخترق الحسابات المادية الجافة، وهو ما تجلى في مولد موسى في قلب البيئة التي أرادت إفناءه. ومن هنا، يوجه السيد القائد رسالة سياسية شديدة اللهجة لقوى الاستكبار اليوم: إن كل ما تحذرون منه من تنامي وعي الشعوب وقدراتها المقاومة سيقع حتماً، ولن تنفعكم أقماركم الصناعية ولا أجهزتكم الاستخباراتية في منع نفاذ إرادة الله التي قررت نصرة المظلومين وتمكينهم في الأرض.

  • تعتمد الأنظمة الاستكبارية على “التقديرات الاستخباراتية” و”مراكز الأبحاث” لضمان السيطرة، لكنها تقديرات تصطدم دائماً بحتمية التغيير الإلهي.
  • تمارس أمريكا وإسرائيل “الإجرام الوقائي” (كما في غزة واليمن) لمحاولة وأد مستقبل الشعوب، وهو تكرار دقيق لسياسة فرعون في ذبح الأطفال.
  • الثقة بالواقع المادي تجعل الطغاة يغفلون عن ملكوت الله وتدبيره، مما يقودهم إلى الغرور الذي يسبق السقوط المدوي.

 

التدبير الإلهي وصناعة القادة لمهمة الخلاص والتمكين

ينتقل السيد القائد في سرديته التحليلية إلى كيفية تنفيذ الإرادة الإلهية في واقع البشر، موضحاً أن الله “سبحانه وتعالى” لا يغير واقع أمة بمجرد الأماني أو البيانات، بل عبر “تدبير فعلي” يرتكز على تهيئة أسباب النهوض. قوله تعالى {وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي} يمثل القاعدة التي ينطلق منها السيد لتفسير دور القيادة الربانية؛ فالله حين أراد خلاص بني إسرائيل، خلق وأعدّ شخصاً (موسى) وفق رعاية خاصة، ليجري على يديه التغيير الكبير. هذه الرؤية تؤصل لمفهوم “القيادة” في المسيرة القرآنية، فهي ليست منصباً للجاه أو السلطة، بل هي “مهمة مقدسة” تتطلب إعداداً إلهياً وتزكية عالية لتكون بمستوى المواجهة مع طواغيت بحجم فرعون وهامان.

ويتعمق السيد القائد في شرح مفهوم “الإرهاصات” والرعاية التي واكبت نبي الله موسى منذ ولادته، مبيناً أن هذه الرعاية تهدف إلى حفظ القائد وتحصينه لأداء دوره الرسالي. وفي هذا التحليل، يربط السيد بين “الضعف الظاهري” لموسى الرضيع (اليتيم الذي لا حامي له من البشر) وبين “القوة الكامنة” التي يستمدها من تدبير الله. هذه المفارقة تهدف إلى كسر حالة اليأس لدى المستضعفين اليوم؛ فإذا كان الله قد حفظ موسى في قبضة أعدائه وأحضانهم، فهو قادر على حفظ وتأييد المجاهدين في هذا العصر مهما كانت الظروف صعبة. إن “استراتيجية الخلاص” التي يقدمها السيد القائد تقوم على ضرورة الارتباط بهذه السنن الإلهية، والوعي بأن الله يختار من بين عباده من يحملون راية المستضعفين، شريطة أن تتوفر في الأمة روح الاستجابة والتحرك الجاد وفق تعليمات الله وهديه.

 

التحليل الثقافي لدور المرأة في مشروع “المسيرة القرآنية”

في جانب ينم عن بصيرة تربوية واجتماعية، يفرد السيد القائد مساحة واسعة لتحليل دور المرأة من خلال شخصية “أم موسى”، مقدماً رؤية ثقافية تواجه الزيف الغربي الذي يحاول تمييع دور المرأة المسلمة. يحلل السيد القائد وحي الله إلى أم موسى باعتباره تكريماً عظيماً وإناطة بمسؤولية تاريخية كبرى لامرأة في قلب صراع سياسي وعسكري عاتٍ. لقد كانت أم موسى هي “الحصن الأول” الذي حمى مشروع الخلاص، وهذا يؤكد أن المرأة في المفهوم القرآني ليست عنصراً هامشياً، بل هي شريك أساسي في صناعة النصر والتحول التاريخي. إن السيد هنا يضرب جذور الثقافة الليبرالية التي تسعى لعزل المرأة عن سياقها الأسري والمجتمعي المقاوم، مؤكداً أن كرامة المرأة تتحقق حين تؤدي دورها في إطار المشروع الإيماني، تماماً كما فعلت أم موسى ومريم وآسية بنت مزاحم.

ويذهب السيد القائد إلى أبعد من ذلك في نقده الثقافي للمنظمات الدولية والبرامج الغربية التي تستهدف إفساد المرأة وتفكيك الأسرة تحت عناوين “التمكين” المضللة. يوضح السيد أن “التمكين الحقيقي” للمرأة هو الذي يجعل منها “صانعة للتحول” وقادرة على تربية أجيال من القادة والمجاهدين، كما كانت أم موسى. إن السردية الثقافية للمسيرة القرآنية ترفض تحويل المرأة إلى أداة للاستغلال المادي أو الإغواء الأخلاقي، وترى في استهداف النساء جزءاً من مخطط “فرعون العصر” لتدمير بنية المجتمع المسلم من الداخل. وبذلك، تعيد المحاضرة صياغة الهوية الثقافية للمرأة اليمنية والمسلمة، لتكون بمستوى التحدي في مواجهة “الحرب الناعمة”، مستلهمة من صبر ويقين أم موسى في تنفيذ المهام الإلهية الصعبة وسط المخاطر الجسيمة.

  • تكامل الأدوار بين الرجل والمرأة في الإطار الإيماني هو الضمانة الوحيدة لحفظ المجتمع من التحلل والارتهان.
  • استهداف الأسرة عبر بوابة “حقوق المرأة” المنفصلة هو تكتيك استعماري يهدف لإضعاف الجبهة الداخلية للمستضعفين.
  • يمنح القرآن الكريم للمرأة مشروعية التحرك في القضايا الكبرى (السياسية والعسكرية والتربوية) بما يخدم غايات الهدى الإلهي.

 

السردية السياسية لمواجهة “فرعونية العصر” وحتمية السقوط

في التحليل السياسي المباشر، يربط السيد القائد بين الطغيان الفرعوني القديم وبين الطغيان الصهيوني والأمريكي المعاصر، معتبراً أن “العلو اليهودي” الذي نشهده اليوم هو تكرار لذات الحالة الفرعونية التي تستعلي على الشعوب وتمارس الإذلال والاستعباد. يوضح السيد أن “أمريكا وإسرائيل” يعتمدون اليوم على ذات المنطق الفرعوني في ترهيب الشعوب ومحاولة إقناعها بأن إرادتهم حتمية ولا يمكن الخروج عليها. لكن السيد القائد يقدم سردية سياسية مضادة، مستندة إلى اليقين القرآني، تؤكد أن “النجاح” ليس حليف الظالمين مهما امتلكوا من أجهزة استخباراتية أو قدرات تكنولوجية، لأنهم ببساطة يغفلون عن “مالك السماوات والأرض” الذي لا يريد ظلماً للعباد.

إن القراءة السياسية التي يطرحها القائد تهدف إلى تحطيم “صنم القوة المادية” في نفوس المستضعفين. فمن خلال استعراض كيف سقط جبروت فرعون أمام تحرك موسى “عليه السلام”، يؤصل السيد لضرورة التحرك الشعبي والجهادي الواسع في مواجهة قوى الاستكبار. إن “فرعون العصر” الصهيوني يمارس اليوم أبشع الجرائم في فلسطين بدعم أمريكي مباشر، ظناً منه أن هذا البطش سيضمن بقاءه، بينما يرى السيد القائد أن هذا الإجرام هو بحد ذاته من الأسباب التي تقرّب زوالهم. إن الموقف اليمني الشجاع في البحار ونصرة غزة هو تجسيد عملي لهذا الفهم القرآني؛ حيث لم ترهب اليمن أساطيل أمريكا لأن القيادة والشعب ينظرون إليها بمنظار قصة موسى وفرعون، موقنين بأن الذي غرق في اليم قديماً سيغرق اليوم في بحار غضبة الشعوب المؤمنة.

استراتيجية “الخلاص” ونبذ ثقافة اليأس والتبعية

يختتم السيد القائد محاضرته بتفكيك أخطر الأسلحة التي يستخدمها الأعداء ضد المستضعفين، وهو سلاح “اليأس والقنوط”. يوضح السيد أن الطغاة يسعون دائماً لإيصال الشعوب إلى قناعة بأن “الوضعية مستحيلة التغيير”، ليدفعوهم إما إلى الاستسلام والولاء لهم (التطبيع والتبعية)، أو إلى التخلي عن مسؤولياتهم الجهادية. إن السيد القائد يطرح في المقابل استراتيجية “الأمل والارتباط برَوْح الله”، مؤكداً أن الفرج الإلهي مرتبط “بالاستجابة العملية” والتحرك وفق تعليمات الله. إن التغيير الحقيقي لا يأتي عبر التمنيات أو بيانات الشجب، بل عبر “التدبير الفعلي” الذي يواكب التحرك الإيماني الجاد.

ومن خلال التركيز على قصة موسى، يرسخ السيد القائد مفهوماً استراتيجياً للعمل المقاوم؛ وهو أن “الضعف المادي” ليس عائقاً أمام “النصر الإلهي” إذا ما توفر الإيمان والبصيرة والقيادة الحكيمة. إن المسيرة القرآنية، كما يطرحها السيد، هي مشروع “خروج” للأمة من عبودية الطواغيت إلى عبودية الله، وهي عملية تتطلب صبراً ومصابرة وتضحية، لكن عاقبتها هي “التمكين في الأرض” ووراثة المستكبرين. وبذلك، تتحول المحاضرة من درس في التفسير إلى “بيان ثوري” يعيد صياغة المعادلة السياسية في المنطقة، واضعاً الأمة أمام مسؤوليتها التاريخية في استكمال مشوار الأنبياء في تحرير البشرية من دنس الجبابرة والمفسدين في الأرض.

  • اليأس والقنوط هما المدخل الأساسي لولاء الطغاة والقبول بمشاريع التبعية (التطبيع نموذجاً).
  • التحرك الإيماني يقلب الموازين ويحول الضعف إلى قوة كاسحة تخترق كل التدابير الأمنية للعدو.
  • إن الفرج الإلهي هو “سنة مستمرة” وليس حدثاً تاريخياً منقطعاً، وهو متاح لكل أمة تتحرك بصدق مع الله.

 

آفاق الانتصار والتمكين في عصر “الفتح الموعود”

إن المحاضرة الرمضانية الرابعة للسيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي لعام 1447هـ هي في جوهرها وثيقة سياسية وثقافية واستراتيجية تؤسس لمرحلة جديدة من الصراع مع قوى الاستكبار العالمي. لقد استطاع السيد القائد ببراعته المعهودة أن يربط بين التاريخ والواقع، وبين الغيب والشهادة، ليخرج بنتيجة حتمية مفادها أن “زمن الهزائم قد ولى”، وأننا نعيش في عصر “التمكين للمستضعفين”. إن قراءة السيد للواقع من نافذة القرآن الكريم تمنح المجاهدين والشعب اليمني حصانة فكرية ضد كل محاولات التضليل والترهيب التي يمارسها الأعداء.

إن الرسالة النهائية التي يوجهها السيد القائد هي أن نفاذ مشيئة الله لا يحتاج إلى استئذان من مراكز القوة العالمية، بل يحتاج إلى “قلوب مؤمنة” وسواعد مجاهدة تثق بالله وتتحرك في سبيله. وبهذا الوعي، يغدو الشعب اليمني اليوم رقماً صعباً في المعادلة الدولية، ليس بفضل الإمكانات المادية فحسب، بل بفضل هذا “المدد القرآني” والارتباط بقيادة ربانية تعرف كيف تستلهم من قصص الأنبياء دروساً في العزة والسيادة والانتصار. إن “فرعون العصر” يغرق الآن في رمال غزة وفي مياه البحر الأحمر، وما هي إلا مسألة وقت حتى يتحقق الوعد الإلهي الكامل، ويتمكن المستضعفون في الأرض من وراثة من استكبروا وأجرموا، ليرى الطغاة في نهايتهم ما كانوا يحذرون منه طوال عقود من طغيانهم.

 

 

موقع 21 سبتمبر.