توطين الصناعة في اليمن.. معركة اقتصادية لإعادة بناء القرار الوطني وتحويل الاستهلاك إلى إنتاج


رغم سنوات العدوان والحصار الأمريكي السعودي الإماراتي، وما خلّفه من دمار واسع طال البنية التحتية والاقتصاد الوطني، تمضي حكومة التغيير والبناء في اليمن بخطوات متسارعة لإعادة ترتيب أولويات الاقتصاد، واضعة توطين الصناعات الوطنية في صدارة مشروعها الاستراتيجي للخروج من دائرة التبعية وتقليص فاتورة الاستيراد الثقيلة. ففي ظل إمكانات محدودة وظروف استثنائية، تعمل المؤسسات الحكومية في صنعاء والمحافظات الحرة على ترميم ما يمكن ترميمه من مرافق الدولة، وإعادة تشغيل الخدمات الحيوية، انطلاقًا من إدراك عميق بأن المعركة الاقتصادية لا تقل أهمية عن أي معركة أخرى.
هذا التوجه لم يأتِ بمعزل عن رؤية شاملة، بل ترجمة مباشرة لموجهات قائد الثورة ورئيس المجلس السياسي الأعلى، وللبرنامج العام لحكومة التغيير والبناء، الذي ركّز على تمكين الاقتصاد الوطني عبر دعم القطاعات الأساسية، وفي مقدمتها الزراعة والصناعة، وتعزيز البنية التحتية، وفتح المجال أمام الاستثمار الحقيقي وفق قانون استثمار جديد يشجع الشراكة مع القطاع الخاص، ويمنح أولوية للمشاريع الإنتاجية. كما جرى توجيه أموال الزكاة نحو مشاريع مستدامة قادرة على تحويل المستفيدين من دائرة الإعالة إلى دائرة الإنتاج، وخلق فرص عمل حقيقية تعزز الاستقلال الاقتصادي.
وضعت الحكومة مسار توطين الصناعات ضمن إطار متكامل، يبدأ بتشجيع رؤوس الأموال الوطنية على الاستثمار في القطاعات المنتجة، ويمتد إلى تحفيز الشراكة مع القطاع الخاص، لا سيما في قطاع الطاقة، عبر إصلاحات تشريعية وقوانين جديدة تهدف إلى خلق بيئة استثمارية أكثر استقرارًا. ويتزامن ذلك مع تطوير قطاعات حيوية أخرى كالثروة الزراعية والسمكية، وإنشاء مراكز تسويق وإرشاد للمنتجات المحلية، بما يسهم في رفع جودة الإنتاج وضمان وصوله إلى الأسواق.
وتشهد العاصمة صنعاء والمحافظات الحرة اليوم واحدة من أهم المعارك الاقتصادية، تتمثل في كسر سياسة الإغراق التي عانى منها السوق المحلي لعقود، والتي أدت إلى تدمير المنتج الوطني واستنزاف العملة الصعبة. ويؤكد الواقع أن هذا التحول لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة مسار وطني بدأ مع ثورة 21 سبتمبر 2014، التي حررت القرار السيادي اليمني من الوصاية الخارجية، وفتحت الباب لبناء اقتصاد قائم على أسس الاستقلال والسيادة.
وفي هذا السياق، يجري العمل وفق قاعدة “نأكل مما نزرع ونلبس مما نصنع”، كعنوان لمرحلة جديدة تهدف إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي تدريجيًا، وبناء قاعدة إنتاجية وطنية قادرة على تلبية احتياجات السوق المحلي، والتحول لاحقًا إلى التصدير. ويؤكد خبراء الاقتصاد أن توطين الصناعات الوطنية يمثل خيارًا استراتيجيًا لا غنى عنه، ليس فقط لتقليص التبعية للخارج، بل لتعظيم القيمة المضافة المحلية، وخفض فاتورة الاستيراد التي تقدر بنحو 12 مليار دولار سنويًا، ما ينعكس إيجابًا على توفير العملة الصعبة وتحسين الميزان التجاري.
إعادة تشغيل مصانع متعثرة منذ سنوات، إلى جانب إنشاء مصانع جديدة، باتت مؤشرات واضحة على جدية التوجه الحكومي، وعلى بدء إعادة رسم خارطة الاقتصاد الوطني بما يضعه على مسار الاستقرار والنمو التدريجي. ومع كل خطوة في هذا الاتجاه، يقترب اليمن أكثر من التحول من بلد مستهلك إلى بلد منتج، قادر على الصمود وبناء اقتصاده بإرادته الوطنية.