لماذا تُستهدف إيران؟


بقلم/ محمد الصالحي

 

أحدث انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 تحوّلاً جذرياً في موقع الدولة الإيرانية داخل معادلة الإقليم والنظام الدولي. فبعد أن كانت طهران تُعد أحد أهم حلفاء الغرب وركناً أساسياً في منظومة الأمن الإقليمي التي تقودها الولايات المتحدة، انتقلت إلى موقع الدولة المناهضة للهيمنة الأمريكية والغربية،

ووضعت نفسها في مواجهة مفتوحة مع واشنطن والكيان الإسرائيلي، متبنية خطاباً سياسياً واستراتيجياً داعماً للقضية الفلسطينية ورافضاً لوجود إسرائيل باعتبارها نتاجاً لمشروع استعماري غربي في قلب المنطقة.
في هذا السياق، شكّل القرار الإيراني المبكر بتسليم مقر السفارة الإسرائيلية في طهران إلى منظمة التحرير الفلسطينية في نوفمبر 1979 رسالة سياسية واضحة حول طبيعة التوجه الجديد للسياسة الخارجية الإيرانية. وعلى الرغم من أن إعلان قيام الدولة الفلسطينية لم يتم إلا عام 1988، فإن هذه الخطوة عكست اعترافاً سياسياً عملياً بحق الفلسطينيين، ورسّخت مكانة إيران كفاعل إقليمي يتبنى مقاربة تصادمية مع الترتيبات التي فرضها الغرب في المنطقة.
هذا التحول الاستراتيجي لدولة تُعد من أكبر دول العالم الإسلامي ديمغرافياً وجيوسياسياً أربك الحسابات الأمريكية والإسرائيلية، ودفعهما إلى إعادة صياغة استراتيجياتهما تجاه إيران. ومع تعذّر خيار إسقاط النظام الجديد بالقوة المباشرة، اتجهت واشنطن وتل أبيب إلى تبني سياسة الاحتواء، عبر مزيج من العقوبات الاقتصادية، وحروب الوكالة، وبناء التحالفات الإقليمية المضادة، وتعزيز الوجود العسكري والقواعد الأجنبية في محيط إيران، إضافة إلى العمل المستمر على تفكيك شبكة تحالفاتها الإقليمية.
غير أن هذه السياسة، رغم طول أمدها، لم تحقق أهدافها المعلنة. فإيران لم تكتفِ بالصمود، بل نجحت في بناء شبكة تحالفات إقليمية عابرة للحدود، تحولت مع مرور الوقت إلى ما بات يُعرف بمحور الجهاد والمقاومة. وقد جاءت عملية “طوفان الأقصى” لتكشف بوضوح أن هذا المحور لم يعد مجرد إطار تنسيقي، بل أصبح فاعلاً استراتيجياً مؤثراً في موازين القوى الإقليمية، قادراً على فرض معادلات ردع جديدة، ومنافسة الولايات المتحدة في بعض مناطق النفوذ الحساسة.
لقد أظهرت وحدة الساحات، ودخول أطراف المحور المختلفة لإسناد المقاومة الفلسطينية في غزة، أن الصراع تجاوز كونه مواجهة محدودة، ليأخذ طابعاً بنيوياً يمس طبيعة النظام الإقليمي نفسه. وهو ما جعل واشنطن وتل أبيب تنظران إلى المواجهة بوصفها صراعاً ذا أبعاد وجودية تتعلق بمستقبل نفوذهما ومكانتهما في المنطقة.
في هذا الإطار، اتجه الكيان الإسرائيلي، بدعم أمريكي وغربي واسع، إلى توسيع دائرة الاشتباك من غزة إلى ساحات متعددة شملت لبنان وسوريا والعراق واليمن، في محاولة لتفكيك المحور أو تحييد بعض حلقاته. وقد أتاح اتفاق وقف إطلاق النار على الجبهة اللبنانية تقليص مستوى الإسناد المباشر لغزة، ما فتح الباب أمام التركيز على الساحة السورية، التي شكّلت تاريخياً عمقاً استراتيجياً ومحور وصل رئيسياً بين إيران وحزب الله والمقاومة الفلسطينية. وأسفر ذلك عن خسارة المحور لعنصر جغرافي بالغ الأهمية، دون أن ينعكس ذلك، خلافاً للتوقعات الأمريكية والإسرائيلية، على القدرة القتالية للمقاومة في غزة.
في المقابل، برز الدور اليمني المساند لغزة كعامل مفصلي أعاد رسم الجغرافيا الاستراتيجية للصراع، حيث أدى إلى تقويض العمق البحري الأمريكي والغربي في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن والمحيط الهندي، وفرض معادلات جديدة في أحد أهم شرايين التجارة والطاقة العالمية.
هذه التطورات مجتمعة أعادت إحياء الرهان الأمريكي والإسرائيلي على ما يمكن توصيفه، تحليلياً، بمنطق قريب من “نظرية الدومينو”، انطلاقاً من افتراض مفاده أن إضعاف بعض حلقات محور الجهاد والمقاومة، أو إخراجها من معادلة الصراع، قد يفتح الطريق نحو الهدف المركزي المتمثل في إيران نفسها. فطهران، في تقدير دوائر صنع القرار في واشنطن وتل أبيب، لا تُعد مجرد داعم إقليمي أو لاعب مؤثر فحسب، بل تمثل المركز السياسي والاستراتيجي الذي تستند إليه بنية هذا المحور، والعقل المنظّم لشبكة تحالفاته الممتدة عبر أكثر من ساحة.
وبناءً على هذا التصور، يُنظر إلى أي تصدع داخلي في إيران، أو أي تغيير جوهري في طبيعة النظام السياسي، على أنه كفيل – نظرياً – بإحداث انهيار متسلسل في بنية المحور، أو على الأقل بإضعاف قدرته على العمل كوحدة متماسكة متعددة الجبهات. غير أن هذا الرهان يتجاهل، إلى حد بعيد، التحولات البنيوية التي طرأت على طبيعة هذا المحور خلال السنوات الأخيرة. فمحور الجهاد والمقاومة لم يعد يقوم على نموذج القيادة المركزية الصلبة أو التبعية المباشرة، بقدر ما بات أقرب إلى شبكة عقائدية–عملياتية، تتوزع فيها مراكز القرار والقدرة على الفعل، مع احتفاظ كل طرف بهوامش معتبرة من الاستقلالية السياسية والعسكرية.
في هذا السياق، يمكن فهم تصاعد مؤشرات التصعيد ضد إيران خلال المرحلة الراهنة، سواء عبر تكثيف الضغوط السياسية والإعلامية، أو من خلال دعم اضطرابات داخلية، أو توسيع نطاق الحرب السيبرانية، وصولاً إلى التهديد باستخدام القوة العسكرية بشكل مباشر أو غير مباشر. إلا أن هذا المسار، في جوهره، يعكس إدراكاً أمريكياً وإسرائيلياً متزايداً بأن الصراع مع إيران لم يعد محصوراً في ملف بعينه، كالمسألة النووية أو بعض أوجه السلوك الإقليمي، بل بات صراعاً أعمق يتعلق بموقع إيران ودورها في إعادة تشكيل موازين القوة في المنطقة.
فالتحدي الذي تمثله إيران، من هذا المنظور، لا يكمن فقط في قدراتها العسكرية أو التقنية، وإنما في قدرتها على المساهمة في بناء معادلة ردع إقليمية متعددة المستويات، وفي نجاحها في إبقاء القضية الفلسطينية في قلب الاشتباك الإقليمي والدولي، بعد أن سعت قوى كبرى إلى تحييدها أو دفعها إلى هامش الأولويات. كما أن استمرار هذا الدور، رغم عقود من العقوبات والضغوط ومحاولات العزل، يثير تساؤلات جدية حول مدى فاعلية الاستراتيجيات الغربية التقليدية في احتواء الخصوم وإدارة الصراعات المعقدة في المنطقة.
استشرافياً، يبدو أن المنطقة تتجه نحو مرحلة أكثر تعقيداً من الصراع، تتراجع فيها فرص الحسم السريع لصالح صراعات طويلة الأمد، تقوم على الاستنزاف، وتعدد الساحات، وتداخل الأدوات العسكرية والسياسية والاقتصادية والإعلامية. وفي هذا المشهد، يصعب تصور عودة المنطقة إلى ما كانت عليه قبل التحولات الكبرى التي شهدتها خلال السنوات الأخيرة، سواء على مستوى طبيعة التحالفات، أو شكل الصراعات، أو أدوار الفاعلين الإقليميين من دول وقوى من غير الدول.
في المحصلة النهائية، لا تبدو المواجهة مع إيران حدثاً ظرفياً أو أزمة عابرة، بل تعبيراً عن صراع بنيوي ممتد بين مشروعين متناقضين: مشروع يسعى إلى الحفاظ على نظام إقليمي قائم على الهيمنة الأمريكية والتفوق الإسرائيلي، ومشروع آخر يعمل على كسر هذه الهيمنة وإعادة توزيع القوة والنفوذ داخل الإقليم. وبين هذين المشروعين، تتحرك المنطقة اليوم على إيقاع تحولات عميقة قد لا تُحسم نتائجها في المدى القريب، لكنها بلا شك ستحدد شكل المنطقة، وحدود النفوذ فيه، وقواعد الصراع التي ستحكمه في المرحلة المقبلة.