الرياض ترفع راية الانفصال… رسالة سياسية تتجاوز البروتوكول وتعيد رسم المشهد اليمني


في خطوة أثارت جدلاً واسعاً، شهدت العاصمة السعودية الرياض مشهداً غير مسبوق تمثل في رفع راية الانفصال وعزف نشيد ما كان يُعرف بـ«جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية» خلال افتتاح مشاورات الحوار بين مكونات جنوبية، في حدث حمل دلالات سياسية ودبلوماسية عميقة تتجاوز كونه إجراءً شكلياً. المشهد، الذي جرى من قلب الرياض، اعتُبر مؤشراً واضحاً على تحولات لافتة في مقاربة السعودية للملف اليمني، وعلى إعادة ترتيب الأولويات والتحالفات داخل ما يسمى بمعسكر «الشرعية».
هذا التطور لم يُقرأ فقط بوصفه إشارة رمزية، بل فُهم على نطاق واسع كاعتراف إقليمي ضمني بأن مشروع الانفصال بات مطروحاً بجدية على طاولات القرار، وأن فكرة تقسيم اليمن لم تعد مجرد طرح هامشي. فالحدث جاء في سياق إقليمي ودولي معقد، وبعد سنوات من حرب قادتها السعودية منذ مارس 2015 بدعم أمريكي وأوروبي وإسرائيلي، ما يعزز فرضية أن ما يجري هو انتقال من إدارة الصراع عسكرياً إلى تثبيت وقائع سياسية جديدة على الأرض.
وفي الوقت ذاته، بدا أن الرياض تعيد هندسة المشهد الجنوبي عبر التعامل المباشر مع قوى ومكونات جنوبية، في مرحلة تلت تراجع الدور الإماراتي وإقصاء «المجلس الانتقالي الجنوبي» المحسوب عليها من واجهة المشهد. هذا التحول يشي بمحاولة سعودية لصياغة معادلة نفوذ جديدة في جنوب اليمن، تقوم على رعاية مسار انفصالي منظم يمكن التحكم بمخرجاته سياسياً.
ضمن هذا السياق، يبرز «مجلس القيادة الرئاسي» برئاسة رشاد العليمي بوصفه غطاءً انتقالياً لإدارة مرحلة إعادة التفكيك، حيث يُنظر إلى المجلس وأعضائه كمسهلين لعملية إعادة رسم الخارطة السياسية، لا كحماة لوحدة البلاد. ويعزز ذلك الانطباع أن الحوار الجاري في الرياض لا يستهدف رأب الصدع بقدر ما يعمل على ترتيب الانفصال ليظهر ككيان مستقل وموحد يمكن إدماجه كشريك في أي تسوية نهائية شاملة.
ما يحدث، وفق مراقبين، هو إعلان ناعم لتمزيق اليمن، إذ يتجاوز المسار الدبلوماسي حدود التهدئة المؤقتة ليؤسس لواقع سياسي جديد قائم على التشظي، برعاية إقليمية مباشرة. وعليه، فإن مخرجات هذه المشاورات، مهما حملت من عناوين توافقية، تبدو متجهة نحو تكريس الانقسام وإضعاف ما تبقى من مفهوم الدولة اليمنية الموحدة، التي تلقت ضربة قاصمة منذ انطلاق «عاصفة الحزم» لصالح مشاريع تفكيك باتت اليوم أكثر وضوحاً وجرأة.