مجزرة “تنومة”.. قرن من الدماء اليمنية المسفوكة على يد النظام السعودي
الجوف نت | تقرير خاص
تمر ذكرى مجزرة “تنومة” وسدوان الأليمة، لتنكأ جراحاً يمنية لم تندمل رغم مرور أكثر من مئة عام على ارتكابها. هذه الجريمة التي وقعت في عام 1341هـ (1923م)، تظل شاهدة على بدايات النهج الدموي للنظام السعودي تجاه الشعب اليمني، وهي الذكرى التي باتت اليوم محطة لاستلهام الصمود في وجه العدوان المعاصر الذي يرى اليمنيون أنه امتداد لنفس العقلية الإجرامية.
تفاصيل المذبحة: خيانة “الأمان” وسفك الدماء
وفقاً للمصادر التاريخية وشهادات المعاصرين للحدث، فإن جيش آل سعود استهدف قرابة 3000 حاج يمني كانوا في طريقهم لأداء فريضة الحج، وهم عزل من السلاح بملابس الإحرام.
- المكان: وادي تنومة وسدوان في منطقة عسير.
- الزمان: يوم الأحد 17 ذي القعدة 1341هـ (الموافق 1 يوليو 1923م).
- الكيفية: أعطت سرية من جيش آل سعود بقيادة “خالد بن محمد” الأمان للحجاج وسايرتهم في الطريق، حتى إذا وصلوا إلى منطقة منحدرة (وادي تنومة)، انقض الجنود عليهم من الجهة العليا بالأسلحة الفتاكة، مما أدى لإبادة الحجاج ولم ينجُ منهم إلا عدد قليل جداً، حيث استشهد أكثر من 2900 حاج.
أبعاد الجريمة: عقيدة “التكفير” كدافع للقتل
يرى الباحثون، ومنهم الدكتور حمود الأهنومي في كتابه (مجزرة الحجاج الكبرى)، أن الجريمة لم تكن صدفة عابرة، بل نتاج تعبئة عقائدية وهابية وسياسية. وقد نقل القاضي يحيى بن محمد الإرياني أن الجنود السعوديين كانوا يهاجمون الحجاج بشعار “اقتلوا المشركين”، مما يعكس الفكر التكفيري الذي استباح دماء اليمنيين قديماً وحديثاً.
ومن قصص المأساة التي خلفتها المجزرة، استشهاد والد المقرئ اليمني الشهير الشيخ محمد القريطي، الذي وُلد يتِيماً في عام المجزرة، ليصبح صوته لاحقاً “عطر رمضان” في اليمن، وشاهداً حياً على التغريبة اليمنية المريرة.
التغييب الممنهج ومحاولات طمس الحقيقة
على مدى عقود، تعرضت هذه المجزرة لسياسة “تغييب ممنهج” من قبل الأنظمة السابقة في اليمن، حيث تم:
- التعتيم الإعلامي: منع تناول تفاصيل الجريمة في وسائل الإعلام الرسمية.
- الإقصاء التربوي: غياب المجزرة عن المناهج الدراسية والجامعية لتجهيل الأجيال بهوية أعدائهم.
- الضغوط السياسية: استخدام النظام السعودي نفوذه المالي والسياسي لشطب هذه الواقعة من كتب التاريخ الحديث وتلميع صورته الإجرامية.
من تنومة إلى اليوم: عدوان مستمر
يربط مراقبون وسياسيون، من بينهم الدكتور يحيى السقاف وكيل وزارة المالية، بين مجزرة تنومة وبين العدوان الذي تقوده السعودية على اليمن منذ عام 2015م. ويؤكد السقاف أن الوعي المجتمعي الذي يتشكل اليوم حول هذه المجزرة يمثل صفعة للنظام السعودي، حيث أدرك الشعب اليمني أن “قتل الحجاج” بالأمس هو ذاته “قصف المساجد والمنازل والأسواق” اليوم، وأن المنهج التكفيري الإقصائي لا يزال المحرك الأساسي لسياسة آل سعود في المنطقة.
ختاماً.. تبقى “تنومة” جرحاً في الذاكرة الجمعية اليمنية، ووثيقة إدانة تاريخية لا تسقط بالتقادم، تُذكر الأجيال بأن دماء الأجداد التي سُفكت في وديان عسير هي ذاتها الدماء التي تُسفك اليوم في سبيل الحرية والكرامة.