تشخيص السيد القائد للحرب النفسية على إيران وكشف الخيوط الخفية بين غطرسة أمريكا وأطماع التوسع الصهيوني
في العوالم المتشابكة للسياسة الدولية المعاصرة، حيث تتداخل الخطوط بين القوة الصلبة والناعمة، تبرز ساحة الوعي الجمعي كأرض حاسمة للصراع. إنها المعركة التي تتجاوز الحدود الجغرافية لتستقر في العقول والقلوب، حيث تُصنع الشرعية وتُهدم، وتُبنى الإرادات وتُكسر. في هذا المشهد المعقد، تقف الجمهورية الإسلامية الإيرانية كحالة استثنائية، تتعرض لحملة نفسية ممنهجة تمثل أحد أضخم عمليات الهندسة الإدراكية في القرن الحالي. هذه الحملة ليست سوى الوجه الأكثر رقياً لمشروع هيمنة يعود بجذوره إلى الحقب الاستعمارية، لكنه يرتدي اليوم ثوب الحداثة والعولمة. التقرير التالي لا يكتفي برصد هذه الظاهرة، بل يتعمق في تشريح البنى التحتية لاستراتيجية المواجهة الإيرانية، التي تحولت من ردود الأفعال إلى إطار نظري متكامل للمقاومة النفسية والسياسية.
وفي خضم هذا التدافع الحاد على العقل والوعي، تبرز قراءة استثنائية تحلل هذا الصراع من داخله، وتسلط الضوء على جذوره وأبعاده الاستراتيجية، وهي قراءة السيد عبدالملك الحوثي. لا تأتي رؤيته من موقع المراقب البعيد، بل من قلب ساحة المواجهة الإقليمية، حيث يشكل خطابه تحليلاً عميقاً يكشف النقاب عن الآليات الخفية للحرب النفسية، ويعري الروابط العضوية بين استهداف إيران ومشروع الهيمنة الأوسع في المنطقة. إن تشخيصه لا يقتصر على وصف الأعراض، بل يتغلغل إلى تشريح البنية الفكرية والسياسية التي تنطلق منها هذه الحملات، مقدماً بذلك إطاراً لفهم كيف تتحول “العناوين المخادعة” للقوى المهيمنة إلى أدوات لتبرير الاستهداف، وكيف يمكن للوعي الجماعي المستند إلى الهوية والإرادة الحرة أن يشكل الحصن الأمنع في مواجهة أعقد أدوات الحرب المعاصرة.
فك شيفرات الخطاب المهيمن
تقوم الآلية الأمريكية في حربها النفسية ضد إيران على فرضية عميقة الجذور، مفادها أن المجتمعات كيانات قابلة للبرمجة وإعادة التشكيل وفق مصالح القوة العظمى. هذا المنطق، الذي يستند إلى تراث فكري استشراقي طويل، يرى في الشعوب الأخرى موضوعاً للدراسة والتحكم، لا فاعلاً مستقلاً في التاريخ. الممارسة العملية لهذه الرؤية تتجلى في تناقض صارخ بين خطاب يرفع قيم الحرية والديمقراطية، وسياسات تقوم على الحصار والعقوبات ودعم العنف الموجه. ففي الوقت الذي تتحدث فيه الوثائق الرسمية الأمريكية عن احترام سيادة الدول، نجد على الأرض استمراراً لمحاولات اختراق السيادة الإيرانية عبر وسائل متعددة، تتراوح بين الحرب الاقتصادية الشاملة والدعم الخفي للعناصر التخريبية.
الاستجابة الإيرانية لهذا التحدي لم تكن عشوائية، بل قامت على فهم عميق لطبيعة هذه الآلية. فبدلاً من الانجرار إلى حرب ردود الأفعال، اختارت طهران تطوير إستراتيجية مضادة تقوم على كشف التناقض الجوهري في الخطاب المعادي. هذا الكشف ليس مجرد تفنيد للبيانات السياسية، بل هو عملية تحليلية معقدة تظهر كيف أن العناوين البراقة التي يرفعها الغرب تتعارض مع ممارساته الفعلية. في هذا السياق، يقدم قائد الثورة السيد عبدالملك الحوثي تحليلاً استشرافياً حين يوضح أن ما تسميه القوى المهيمنة “مشروع سلام” أو “استقراراً إقليمياً” إنما هو في حقيقته مشروع استهداف ممنهج، يهدف إلى “استحواذ وسيطرة ونهب موارد، وفي نفس الوقت إزاحة أي عائق” يقف أمام الهيمنة الكاملة. هذا التشخيص ليس مجرد نقد سياسي، بل هو تفكيك لمنظومة كاملة من الخطاب المُضلل الذي تتبناه واشنطن وتل أبيب، حيث يتم تحويل الاستعمار الجديد إلى لغة حقوق إنسان، والعدوان إلى دفاع عن النفس، والتطبيع مع الكيان الصهيوني إلى خطوة نحو السلام.
الشاهد العملي على فاعلية هذه الإستراتيجية الإيرانية يتجلى في الفشل المتكرر للمحاولات الرامية إلى زعزعة الاستقرار الداخلي الإيراني، حيث تحولت تلك المحاولات إلى مناسبات لإظهار التماسك الوطني وتعزيز الشرعية الداخلية. إن القدرة على فضح هذا التناقض بين الخطاب والممارسة، كما يوضح قائد الثورة السيد عبدالملك الحوثي، لم تكن لتتحقق لولا “الوعي واليقظة العالية” للشعب الإيراني الذي يميز بدقة بين خطاب العدو المُغلف بالشعارات البراقة وبين مشروعه الحقيقي المُتجسد في دعم العصابات الإجرامية وتفجير الفوضى. هذا التحول من موقع الدفاع إلى موقع فضح تناقضات الخصم يمثل نقلة نوعية في فن الحرب السياسية، حيث تتحول إيران من دولة مستهدَفة إلى جهة فاعلة في كشف زيف السردية الغربية، مؤكدة أن المعركة الحقيقية تدور حول القدرة على تعريف الواقع نفسه، وفرض السردية التي تظهر القوة المعنوية والوحدة الوطنية كرد طبيعي على محاولات التفكيك المنظمة.
تشريح الهندسة المزدوجة للأزمة
تكشف التجربة الإيرانية تحت الضغط عن نموذج متطور للحرب غير المتناظرة، حيث يجتمع المستوى الاقتصادي مع النفسي في تناسق مريب. فمن ناحية، تشكل العقوبات الاقتصادية أداة للإفقاد الممنهج، مصممة لخلق واقع معيشي صعب يمكن تحويله إلى سخط سياسي. هذه الآلية لا تهدف فقط إلى عزل الدولة، بل إلى تحويل المعاناة الاقتصادية إلى أداة ضغط نفسي يومي على المواطن العادي. ومن ناحية أخرى، تأتي العمليات التخريبية الداخلية، التي توصف بدقة في التحليل الإيراني بأنها مدعومة خارجياً، لتعمل كمحفز للفوضى والعنف، في محاولة لتحويل السخط الاقتصادي إلى صراع أهلي يمكن توجيهه ضد مؤسسات الدولة.
وهنا يضيء قائد الثورة السيد عبدالملك الحوثي، في كلمته بمناسبة الذكرى السنوية لشهيد القرآن، على جوهر هذه الاستراتيجية المعادية حين يشير إلى أن “الأمريكي واضحٌ في تكتيكه في الاستهداف لشعوب هذه الأُمَّة: يصنع هو أزمات ويستثمر فيها”. هذا التحليل يكشف النقاب عن الآلية المزدوجة التي تعمل بها ماكينة الحرب النفسية: فالحصار الاقتصادي المفروض على إيران ليس سوى المرحلة الأولى من “صناعة الأزمة”، فيما تأتي العصابات الإجرامية المدعومة أمريكياً وإسرائيلياً لتكون “رأس الحربة” في مرحلة استثمار تلك الأزمة وتحويلها إلى فوضى عنف. ويصف قائد الثورة السيد عبدالملك الحوثي هذه العصابات وأفعالها في نفس الكلمة بأنها “مطبوعة بالطابع الأمريكي” في وحشيتها، مستشهداً بممارسات “الذبح، الإحراق لبعض الناس وهم على قيد الحياة، الإحراق للمساجد”، مما يكشف أن الهدف ليس الاحتجاج السلمي بل الإرهاب الممنهج لتحقيق الانهيار الداخلي.
غير أن هذه الهندسة الدقيقة للأزمة تصطدم بواقع اجتماعي أكثر تعقيداً مما تتوقعه الحسابات الغربية. فالاستجابة الإيرانية كشفت عن ظاهرة تستحق الدراسة: تحول التهديد الخارجي إلى عامل توحيد داخلي. فبدلاً من الانقسام، شهدنا تجليات واضحة للتماسك الاجتماعي، حيث أصبح الدفاع عن السيادة الوطنية جزءاً من الهوية الجمعية. هذا التحول ليس عفواً، بل هو نتاج عملية بناء طويلة الأمد لهوية وطنية تقوم على ثنائية الاستقلال والمقاومة. إن قدرة المجتمع الإيراني على التمييز بين المعاناة الناتجة عن حرب اقتصادية مفروضة من الخارج، وبين أداء النظام السياسي الداخلي، تمثل إنجازاً في مواجهة آلة الدعاية المعادية التي تحاول خلط هذه الأوراق عمداً. ويؤكد قائد الثورة السيد عبدالملك الحوثي، في نفس المناسبة التاريخية، على أن الفشل الذريع لهذا المخطط يعود إلى “اليقظة والوعي العالي للشعب الإيراني، الذي خرج خروجاً مليونياً مهيباً وعظيماً، ليعبِّر عن هويته الحقيقية، عن موقفه الحقيقي، عن تمسُّكه بثورته، بنظامه الإسلامي، بتوجهه التَّحَرُّري، وأنَّه لن يخضع لأمريكا، ولن يرضخ لأمريكا، ولن يستسلم لأمريكا”. هذا المشهد ليس مجرد رد فعل، بل هو إعلان عن فشل المنطق الآلي الذي يحسب أن المعاناة المادية تقود حتماً إلى السخط السياسي، متجاهلاً قوة الرابط الهوياتي والإيماني الذي يحول التحدي إلى مصدر للتماسك والصمود.
جغرافيا الصراع الموحدة والرد الاستراتيجي
لا يمكن عزل استهداف إيران عن الخريطة الجيوسياسية الأوسع للمنطقة، حيث تكشف تحركات القوى الدولية عن رؤية استراتيجية متكاملة. فالتزامن بين الضغط على طهران والعدوان المستمر على غزة والتوغل في شؤون الدول العربية ليس مصادفة، بل هو تعبير عن مشروع هيمنة شامل. هذا الربط الجيوسياسي يصبح واضحاً عند تحليل التحركات الإسرائيلية في القرن الأفريقي، خصوصاً نحو الممرات المائية الحيوية، والتي تهدف إلى إحكام السيطرة على شرايين الاقتصاد العالمي. في هذا الإطار، يصبح استهداف إيران جزءاً من معركة أكبر على إعادة تشكيل المنطقة وفق رؤية تحالف هيمني يرى في أي قوة مستقلة تهديداً لمصالحه. وهنا يقدم قائد الثورة السيد عبدالملك الحوثي في كلمته بمناسبة الذكرى السنوية لشهيد القرآن تحليلاً محورياً، إذ يؤكد أن ما يجري في فلسطين وسوريا واليمن وإيران إنما هو تجليات متعددة لعدوان واحد، يهدف في جوهره إلى “تفكيك هذه الأمة وبعثرتها”. هذا التشخيص ليس وصفاً للأحداث فحسب، بل هو كشف للنسيج الخفي الذي يربط بينها، حيث تكون كل جريمة في غزة دليلاً على النية ذاتها التي تحرك العدوان ضد إيران، وكل توغل صهيوني في الصومال استكمالاً للمشروع ذاته الذي يستهدف طهران.
ويكشف قائد الثورة السيد عبدالملك الحوثي في تحليله الاستراتيجي أن زيارة المسؤول الإسرائيلي المتسللة إلى هرجيسا في أرض الصومال تمت لأن للموقع “موقعه الجغرافي المطل في أعلى البحر الأحمر، في مقابل خليج عدن، وباب المندب، يعني: موقع حيوي، موقع مهم جداً يُهدِّد به كل المنطقة”. هذه الرؤية تضع يدها على البعد الجيواستراتيجي الأوسع للصراع، حيث تتحول الممرات المائية إلى ساحات للتنافس، والسيطرة عليها إلى أدوات للضغط والابتزاز. إن الربط بين تهديد باب المندب واستهداف مضيق هرمز ليس من قبيل الصدفة، بل هو جزء من معركة تحكم السيطرة على شرايين الاقتصاد العالمي، حيث تصبح إيران، بقدرتها على التأثير في هذه المعابر الحيوية، عقبة كأداء في وجه المشروع الهيمني.
الرد الإيراني على هذا التحدي المتعدد الجبهات لم يكن انعزالياً، بل قام على تطوير مفهوم التحالفات الاستراتيجية الذكية التي تستوعب هذه الجغرافيا الموسعة للصراع. فبدلاً من الانكفاء على الذات، عملت طهران على بناء شبكة من العلاقات تعتمد على المصالح المتبادلة ورفض الهيمنة الأحادية، وهي استراتيجية تتوافق مع التحذير الذي يطلقه قائد الثورة السيد عبدالملك الحوثي من أن أي نشاط يكون “امتداداً للأمريكي، وللإسرائيلي، وللبريطاني، هو نشاط وإن كان من أبناء هذه الأمة… هو نشاط ظالم، سيء، باطل، ليس فيه أي خير لهذه الأمة”. هذا النموذج من الدبلوماسية، الذي يجمع بين المبدأ والمرونة، نجح في خلق توازنات جديدة في المنطقة، حوّلت إيران من دولة محاصرة إلى لاعب رئيسي في المعادلات الإقليمية. إن القدرة على تحويل التهديدات إلى فرص للتحالف، والضغوط إلى حوافز للإبداع السياسي، تمثل سمة مميزة للنموذج الإيراني في التعامل مع التحديات الدولية، حيث يصبح فهم الجغرافيا الموسعة للصراع مدخلاً لبناء تحالفات موسعة تقطع الطريق على مشاريع التفتيت والتقسيم.
بناء المناعة المجتمعية كإستراتيجية وجودية
في صميم التجربة الإيرانية في مواجهة الحرب النفسية يكمن مفهوم المناعة المجتمعية، الذي يتجاوز التعريف الطبي ليصبح إطاراً لمواجهة التحديات الوجودية. هذه المناعة لا تُبنى بين ليلة وضحاها، بل هي نتاج عملية تراكمية تقوم على عدة ركائز. أولها التعليم، حيث تحرص المنظومة التربوية على غرس قيم الاستقلال والمقاومة في الأجيال الناشئة، وتحويل التاريخ الوطني من سردية أحداث إلى مدرسة في الصمود. وثانيها الإعلام، الذي تحول من أداة نقل إلى ساحة لصناعة الوعي البديل، قادر على تفكيك السرديات المهيمنة وبناء خطاب وطني متماسك.
الركيزة الثالثة، وهي الأكثر عمقاً، تتمثل في تحويل القيم الدينية والوطنية إلى إطار معنوي يوفر القدرة على تحمل الصعاب ورفض الإذعان. هذا الجانب المعنوي لا يمكن اختزاله في الشعارات، بل هو نسيج معقد من الاعتقادات والقيم والتقاليد التي تشكل هوية المجتمع وتحدد استجابته للتحديات. في هذا السياق، يؤكد قائد الثورة السيد عبدالملك الحوثي في كلمته بمناسبة الذكرى السنوية لاستشهاد الرئيس صالح الصماد على أن “ملاذنا كشعوب مسلمة، وبلدان إسلامية في العالم العربي وغيره: أن نتحرَّك على أساسٍ من هويتنا الإيمانية والإسلامية بأصالة، لنكون أُمَّةً حُرَّة؛ لأن هذا ما يريده الله لنا، وهو ما فيه الخير لنا”. هذا التوجيه لا يقدم الهوية كمجرد انتماء تاريخي، بل كرصيد استراتيجي للمناعة والصمود، حيث أن “الهوية الإسلامية الإيمانية العظيمة، التي حينما تتمسَّك بها أُمَّتنا بشكلٍ صحيح، تحظى بمعونة الله بنصره”.
ويستمر قائد الثورة السيد عبدالملك الحوثي في نفس الكلمة ليقدم مقارنة تاريخية ذات دلالة استراتيجية، مشيراً إلى أن “الأمريكي تمكَّن من القضاء على الهنود الحمر في أمريكا، في بلدان كثيرة، تمكَّن من السيطرة عليها، والحسم لوضع شعوبها بإبادتهم، أو تلاشيهم؛ لأنهم ليسوا أصحاب هوية بمثل هذه الهوية الإسلامية الإيمانية العظيمة”. هذه المقارنة توضح أن المناعة المجتمعية ليست مسألة ثقافية فحسب، بل هي مسألة وجودية: فالمجتمعات التي تفتقد إلى هوية متماسكة تكون عرضة للتفكك والذوبان تحت ضغط آلة الهيمنة، بينما المجتمعات التي تتمسك بهويتها “تصبح أُمَّةً حُرَّة، واعية، مستبصرة، حكيمة، لا تنخدع من قِبَل أعدائها، ولا تخضع لهم، بل تقف بكل عِزَّةٍ إيمانية، بكل إباء، بكل ثبات، بكل صمود”. هذه الصفات ليست شعارات بل هي قدرات عملية تترجم إلى مرونة في مواجهة التحديات.
النتيجة العملية لهذا البناء المتكامل تظهر في المؤشرات التي تكشف عن مجتمع قادر على الحفاظ على تماسكه تحت أقسى الظروف، وعلى ابتكار الحلول في أحلك الأزمات. إن تحويل العقوبات إلى حافز للاكتفاء الذاتي، والتهديدات إلى فرص لتطوير القدرات الدفاعية، والضغوط النفسية إلى مناسبات لتأكيد الهوية الوطنية، كلها تجليات لنموذج في الصمود يستحق الدراسة والتحليل. ويختتم قائد الثورة السيد عبدالملك الحوثي رؤيته في نفس الكلمة التاريخية بالتأكيد على أن “الأمل الصحيح لكل أمَّتنا، هو: الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وما هدى إليه، وما دلَّ عليه، وأن تتحرَّك بأصالة في إطار هذا التَّوجُّه الصحيح”، مشدداً على ضرورة أن “لا تنسى الله، ولا تغفل عن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، ولا تُعلِّق آمالها بأعدائها”. هذا التوجيه يضع الأسس الفلسفية للمناعة المجتمعية: فالثقة بالله والتمسك بالهوية والإيمان بالنصر الإلهي ليست مجرد عقائد دينية، بل هي علوم استراتيجية في مواجهة حرب نفسية تهدف إلى زرع اليأس وهزيمة الإرادة قبل تحقيق الهزيمة الميدانية.
في الختام، تقدم التجربة الإيرانية في مواجهة الحرب النفسية أكثر من قصة صمود لدولة تحت الحصار؛ فهي تطرح نموذجاً لتحقيق السيادة في عصر تتداخل فيه الحدود وتتعقد فيه أشكال الهيمنة. هذا النموذج يقوم على فهم أن السيادة لم تعد تقتصر على السيطرة على الأرض، بل امتدت لتشمل القدرة على حماية العقل الجمعي وصناعة الوعي المستقل. إن انتصار إيران في هذه المعركة غير المرئية لا يقاس بالانتصارات العسكرية التقليدية، بل بقدرتها على الحفاظ على إرادتها الوطنية وإنتاج سرديتها الخاصة في عالم تحاول القوى العظمى فرض روايتها الأحادية عليه.
المستقبل سيكشف أي النموذجين أكثر قدرة على الصمود: نموذج الهيمنة الذي يعتمد على القوة والقسر، أم نموذج السيادة الذي يقوم على الإرادة والإبداع. وما بينهما، تبقى الشعوب هي الحكم الأخير، فهي التي تدفع الثمن في الحالتين، وهي التي تحصد الثمار في النهاية. في هذه المعركة الطويلة، تثبت إيران أن أعظم انتصار يمكن تحقيقه هو انتصار الإرادة على الإرهاب النفسي، والعقل على التلقين، والسيادة على التبعية. وهذا في ذاته درس لكل الشعوب التي تسعى إلى حماية كرامتها وصناعة مستقبلها بأيديها، بعيداً عن وصاية القوى التي لا تعترف بشرعية إلا شرعية القوة، ولا ترى قيمة إلا قيمة المصالح.
موقع 21 سبتمبر.