السعودية بين تفاقم ورطتها في اليمن وتساقط ثقلها في المنطقة

تقرير/ علي جاحز
لم يعد خفيا ما تعانيه السياسة السعودية من إنهاك يهدد ثقلها في المنطقة جراء تساقط أوراقها في سوريا والعراق واليمن واخيرا خسارة ورقة الحريري امام رد الفعل اللبناني الذكي إضافة إلى الضغط المصري الذي نجح في كبح جماح مكابرتها، هذا الانهاك الذي لم تعد تستطيع مداراته عن أعين المراقبين والأطراف الدولية والأممية قد يلقي بظلاله على وضعها الهش في اليمن، سيما في ظل انهيارات متسارعة لجبهات الموالين لها في الداخل وبقاء جبهاتها الحدودية تحت رحمة الجيش واللجان الشعبية، ومدنها ومنشآتها تحت رحمة التهديدات الباليستية اليمنية باعتراف أمريكا التي حذرت رعاياها في المملكة منها.

لايبدو أن السعودية أدركت الفرق بين وضعها الإقليمي قبل مارس 2015م وبين وضعها اليوم، على كل المستويات عسكريا وسياسيا واقتصاديا وحتى على مستوى وضعها الداخلي وصورتها إنسانيا في الذهنية الجمعية إقليميا ودوليا، غير ان ذلك لا يعني بأي حال انها بالفعل لم تدرك ذلك حتى اللحظة بل من غير المعقول ، فالراجح انها في حين تنازع ورطتها داخل مستنقع الحرب على اليمن ، تلوذ بمكابرتها التي لن تخرجها من الورطة بل ربما تغرقها اكثر .

ذلك الاعتقاد يعززه استمرارها في المعركة بوتيرة اضعف بكثير مما كانت عليه قبل عام مثلا ، حتى وان ظهرت لهجة التهديد والوعيد في خطابها عالية السقف ، فالميدان يقول العكس تماما برغم استماتة الموالين لها في احراز اختراقات جديدة منذ ما يقارب العامين سيما شرق صنعاء .

كما ان وتيرة التعاون معها وحماسة الاسناد اقليميا ودوليا من حولها تضعف وتتساقط بشكل دراماتيكي واضح، ولعل خسائرها المتتالية لعدة ملفات في المنطقة ، وهي ملفات ثقيلة ، تركت أثرا بالغا على وزنها في المنطقة ، فلم يكن ليمر فشلها في سوريا والعراق دون ان تكون ارتداداته عليها بقدر ما القته من ثقلها اعلاميا وسياسيا وماليا وكل ما احرقته من اوراق اقتصادية وطائفية وعسكرية وسياسية ايضا ، لتأتي النتيجة عكسية كليا .

لو كانت السعودية قد قرأت ورطتها في اليمن وادركت حجم المأزق الذي وقعت فيه لما وقعت في حفرة لبنان مؤخرا ، قبل ان تصبح استقالة الحريري بمثابة الكبوة التي اوقعت حصان السعودية الجامح وجعلته اضحوكة المرحلة وهو يفقد هيبته وقيمته في وعي الانظمة التي تحفه وتدور حوله، قبل ان يفقدها في وعي الانظمة والاطراف التي تتربص به ، وبات النظام السعودي يتلقى النصائح الساخرة من اكثر من اتجاه بان يتوقف عن حربه على اليمن ويقر بفشله .

لم يكن يتوقع احد ان تخرج الاطراف التي يفترض انها موالية للسعودية وعلى راسها حزب المستقبل الذي يرأسه الحريري نفسه ، لتقول للسعودية لا ، بل واكثر من ذلك يخرج وليد جنبلاط ليقول للسعودية اوقفي الحرب على اليمن كفى دمارا واستنزافا ، ويذكرها بفشل امبراطوريات قبلها في اليمن، معتبرا ان السعودية حولت اليمن الى افغانستان اخرى ، وهو موقف مفاجئ وثقيل على السعودية التي كانت تعتقد انها ستجد نسخة اخرى من عبدربه منصور هادي وحلفائه في لبنان ويمكن ان يفتحوا لها الابواب والاجواء لتشن عدوانا اخر على بلادهم وهم يصفقون من داخل فنادقها في الرياض .

كما ان الدور المصري في اعادة الحريري الى بيروت والذي جاء على اثر رفض مصر التصويت على مشروع تصنيف حزب الله جماعة ارهابية والاعتراض على مشروع السعودية الرامي باتجاه التحرك لشن حرب ضد ايران ، يعزز ذلك الاعتقاد الذي يقول ان السعودية فقدت الكثير من ثقلها الذي كانت تعتمد عليه في تمرير اجنداتها على الاطراف الحليفة لها او بالاصح الشريكة لها، وهو خذلان آخذ في التوسع من قطر الى مصر الى السودان مؤخرا .

السودان الذي اعتمدت عليه السعودية ليكون الامداد اللامحدود بالذخيرة البشرية في حربها على اليمن سواء في جبهاتها الحدودية التي لم تحرز فيها اي تقدم وانما تحاول صد الهجمات المستمرة داخل اراضيها ، او جبهات ميدي والمخا التي التهمت الجيش السوداني بشراهة غير مسبوقة .
البشير وجد نفسه الان مضطرا للفرار من مصير مقلق بل وخطر تقوده اليه مواصلة خدمة السعودية مقابل وعود برفع الملاحقات والعقوبات عليه ، علاوة على انه وجد نفسه امام مخطط انقلاب تموله السعودية وامريكا ، الامر الذي جعله يفز فجأة ويطلب الحماية الروسية ، والمؤشرات تقول انه في طريقه لسحب قواته من اليمن .

فهل ادركت السعودية تساقط المواقف من حولها وهشاشة وضعها في المنطقة ، ام انها ستمضي في مكابرتها وتقامر بما تبقى لديها من وزن لتخسر من الداخل والخارج في نفس الوقت؟ فاللاعب الامريكي في المنطقة لا يبدو انه على استعداد ان يواصل تغطيتها في معاركها الخاسرة على كل الاتجاهات من حولها ، بل من المتوقع ان يضعها في دائرة الاستهداف والتفكيك، ومن الواضح انه بنفس القدر الذي يزرع بذور الكراهية لها في محيطها ، يزرع ايضا بذور الصراع الداخلي عبر دفع بن سلمان الى اعتقال عتاو لة الاسرة واهانتهم ، وليس بعيدا ان تضغط الولايات المتحدة على بن سلمان ليطلق سراحهم محملين باحقادهم ليبدأ مسلسل صراع لا ينتهي الا بانهيار نظام ال سعود .

المواقف الدولية الداعية الى رفع الحصار والبحث عن مخرج من الحرب السعودية على اليمن ، تتقافز من هنا وهناك وحتى من امريكا نفسها ، وهي ليست مجرد صدفة بل تأتي ربما بناء على قراءة لمآلات الامور واهمها الفشل الحتمي للسعودية في اليمن ، او ربما من منطلق الحرص على اخراجها من المستنقع بعد ان استنفدت كل الخيارات التي استطاعت ان تشتريها بالمال من دعم وصمت دولي واسع .

يفسر ذلك ضعف الخيارات في الميدان العسكري وتراجع الطلعات الجوية على اليمن مؤخرا ، عدا طلعات تستهدف مدنيين ، وهذا التراجع مؤشر على عدم قدرتها ان تحمل الكلفة العالية للطلعات ولا ان توفر القدر الترفي الذي اعتادت عليه من السلاح الجوي الذكي والذي استخدمته ببذخ دون ان تحقق اي نتائج ، وهو امر غاية في الخطورة بالنسبة لمنتجي السلاح الامريكيين والاوربيين الذين يعني لهم هزيمة في معركة سباق التسلح امام الاطراف الاخرى .

هذا علاوة على انكشاف عدم قدرتها على تحمل اعباء الحرب على كل الاصعدة ، وهو ما يشي به التراجع المهول للموالين لها في الجبهات من جهة وتعمق الخلافات فيما بين تلك الفصائل من جهة اخرى ، سيما في تعز التي تشهد صراعات مزمنة بين فصائل موالية للعدوان سلفية واخرى اخوانية ناهيك عما يجري في الجنوب اليمني .

لجوء السعودية لورقة الحصار الشامل على اليمن ، بما في ذلك المحافظات التي يفترض انها تحت سيطرة التحالف ، ليس مؤشر قوة وتمكن بقدر ماهو مؤشر ضعف وضيق في الخيارات الميدانية وفقدان ثقة في الواقع العسكري الذي فرضته وتدعمه ، كما انه ايضا فقدن ثقة في الاطراف الحليفة .

أخيرا .. هل تعي السعودية انها أصبحت تشك في قدرة قواتها البحرية والجوية في إحكام السيطرة على اليمن، وهل صارت تتهم نفسها جدلا وهي لاتدري انها لا تستطيع منع دخول صواريخ باليستية الى اليمن من ايران ؟ ام انها لم تعد قادرة على ضبط الايقاع بين أدائها العسكري والاعلامي والسياسي ؟

التصنيفات: التقارير,الرئيسية

الوسوم: